إنه لمن الحماقة أن تعتقد أنك ستحصل على نتائج جديدة، وأنت تكرر الشيء نفسه "آينشتاين"


السياسة الانتقاية للشرعية الدولية

كتبهااسامة طلفاح ، في 8 آذار 2009 الساعة: 11:19 ص

السياسة الانتقائية للشرعية الدولية

يقف الواحد منّا عاجزاً عن وصف كل ما يجري من حولنا وبالتحديد في منطقتنا إزاء هذه السياسة الانتقائية للشرعية الدولية، تحديداً تجاه ما يسمى أسلحة دمار شامل، أو أسلحة محضورة دولياً، أو قرارات ملزمة لجميع الأطراف، وآلية توجيه الاتهامات لدول على أنها تمتلك أسلحة دمار شامل، أو لأشخاص وزعماء على أنهم مجرمي حرب،  أو لدول على أنها لا تراعي شيئاً تجاه ما يسمى حقوق الإنسان، أو الإلتزام بالمواثيق الدولية التي يقرها مجلس الأمن.

 

فلو أردنا البحث لوجدنا أن منطقتنا مليئة بأسلحة الدمار الشامل من المغرب غرباً حتى الهند والباكستان شرقاً، ومع هذا يصر من يملك زمام الأمور للشرعية الدولية إحداث فجوة كبيرة بين شعوب العالم، بشأن ما يسمى أسلحة محرمة دولياً وغيرها من أحداث غريبة، وبشأن المُلزم للدول من قرارات تقرها الشرعية الدولية.

 

تلك القرارات كان من شأنها إحداث هوّة عميقة من خلال السياسة الانتقائية للشرعية الدولية، هوّة كبيرة  مع غيرهم ممن يدعمون وينحازون ومع العالم الآخر الذي ينظرون إليه من منظار تشاؤم، ويحاولون بوسائلهم المتنوعة "تمكينه ونشر الديمقراطية والحرية فيه" نظراً لأنه عالم متخلف.

  ما حدث في غزة، في الآونة الأخيرة من قبل إسرائيل وارتكابها مجازر بحق الشعب الفلسطيني في غزة، لم يشهد تاريخنا الحديث مثيلا لها، يجعلنا نعيد النظر بكل الاتفاقيات والقرارات والأرقام، التي يطلقها مجلس الأمن بين الحين والآخر، ويجعلنا نعيد النظر تماماً بشأن شرعية هذا المجلس وسياسته الانتقائية، وانحيازه التام لإسرائيل ولأي قرار يتخذ من قبل إسرائيل، بصرف النظر عن مضمون تلك القرارات التي تتخذ، حتى لو كانت على حساب إنسانية الإنسان وكرامته، وحقه في العيش، المهم هو إرضاء إسرائيل والوقوف جنبا إلى جنب مع آلة الحرب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والعالم العربي؛ الذي لم يعي لغاية اللحظة تفاصيل تلك اللعبة.

 

وما يحدث اليوم من "ملاحقة" الرئيس السوداني عمر البشير، ما هو إلا أمر مشين، يعبر تماماً عن السياسة العنصرية للشرعية الدولية، وكل مؤسساتها.

 

تلك السياسة الانتقائية الدولية، هي بلا شك عنصرية ما بعدها عنصرية، وسياسة لاأخلاقية، وانحياز تام لشعوب دون شعوب ولأمم دون أخرى، ولنا في منطقتنا العربية العديد من الأمثلة والقرارات والأرقام التي خرجت وكان من شأنها إلزام الأطراف العربية بتلك القرارات، وهدم الآمال والأحلام، وتدمير الفكر ومنع حق العيش والتفكير بالمستقبل والتغيير لكثير من الدول العربية.

 

تلك السياسة الانتقائية العشوائية، جعلت من حق أمريكا تدمير العراق وتقسيمه وتفتيته، من منطلق أنه يحتوي على أسلحة دمار شامل، تهدد أمن المنطقة وأمن العالم، وبعد الخراب والتدمير والقتل الذي لا مثيل له، تخرج الرئاسة الأمريكية السابقة أمام العالم لتقول" أن خطأً أرتكب من قبل الاستخبارات الأمريكية بشأن العراق وبشأن ما يسمى أسلحة دمار شامل، أدى إلى صورة ما يعيشه العراق اليوم".

 

وقِس على ذلك كثيرا، فمن الواضح أن تلك الشرعية الدولية الانتقائية وقراراتها تتغلب عليها المصالح الخاصة.

 

لقد كان محزناً لدرجة كبيرة الاستماع للأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون"، أثناء زيارته لغزة بعد وقف العدوان، ووقوفه بجانب مقر الأمم المتحدة الذي دمرته الآلة الحربية الإسرائيلية ولم تراعي شيئاً على الاطلاق، ولم تلتزم بالقرار الذي خرج به مجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار، فقد كانت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة دبلوماسية انتقائية، وكان محزناً بشكل أكبر الاستماع إلي حديثه ومساواته بين الضحية والجلاد، عندما زار مستوطنة سديروت.

 

ومحزن أكثر قرار المحكمة الجنائية الدولية، باصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني، وترك مجرمي الحرب، أولمرت، وليفني، وباراك، وغيرهم، ليعيثوا في الأرض فسادا وقتلاً وتدميراً.

 

إن عالمنا يواجه معضلة كبيرة، إزاء قرارات الشرعية الدولية التي من المفروض أن تكون ملزمة لجميع الأطراف، إلا إسرائيل، لها الحق في قبول ورفض أي قرار، بالوقت الذي تراه مناسبا لما يتماشى مع مصالحها، برغم الجرائم الكثيرة المتكررة التي ترتكب يومياً بحق الشعب الفلسطيني، والتي تواجه بصمت عالمي كامل.

 

تلك الممارسات السياسة الانتقائية للشرعية الدولية، ممارسات سياسية عرقية عنصرية واضحة، لا نملك مناقشتها بعين الحقّ، لأنها بالنهاية تفسر مفهوم إرهاب دولي نعيشه اليوم، وحالة من عدم التوازن الدولي.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ديمقراطية، حرية, غزة, مسارات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

9 تعليق على “السياسة الانتقاية للشرعية الدولية”

  1. مقال جميل

  2. السلام عليكم
    موضوع رائع و في الصميم ، يترجم الواقع
    دام قلمك المتميز
    تحياتي
    كوثر طاهري

  3. استاذ اسامه ..
    لا تعجب ان يساق حكامنا للقضاء الغير عادل؟!!
    انظر في صفحات التاريخ ستجد ان ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني حكمت عليه اسرائيل بالسجن داخل المقاطعه امام العالم كله ثم كان صدام واليوم البشير.اليوم تساوي الحاكم والمحكوم فقط بالاحكام الجائرة من اعداء امتنا.
    اليوم على الشعوب العربيه جميعها نفض غبار العار وان تتحد كي لا تعيد للعالم مشهد اعدام صدام ومشهد الدمار في العراق ..
    كفانا تفريط بارضينا ,كفانا تقمص شخصية الطفل المطيع الممتثل لكل اوامر الوصي, علينا ان نطالب بحقوقنا بصوت عالا وان نفضح الزيف في قرارات اعدائنا
    علينا ان نخلع المعطف الابيض الذي ترتديه المحكمة الدوليه وهي تستأصل الاعضاء من جسد امتنا بحجةانها تهبنا الحياة من جديد
    شكرا لقلمك الذي يقف دائما مع الحق
    دمت بخير

  4. تسنيم ما أجمل ما كتبت، لا فض فوك،
    ولا أملك إلا أن أقول، ما رددناه دوماً، أكلت يوم أكل الثور الأبيض
    صغارا رددنا تلك الجملة وكبارا
    ولا زلنا في غفلة
    لا نريد فعلا اعادة صورة العراق لأي دولة عربية
    السودان بنظري تم تقسيمه منذ مدة
    فسياسيا
    الجنوب والغرب والسودان
    يشكل السودان ما مساحته 1/12 من مساحة أفريقيا وهو ذو طابع عربي اسلامي

    اليوم تخرج بريطانيا بتقرير استخباراتي تم فبركته اثناء حكم بلير يقول التقرير انه تم فبركة ذلك التقرير ذريعة لاحتلال وتدمير العراق
    وهنالك تقرير اخر خرج من امريكا يقول ان العراق لم يحتوي على اسلحة دمار شامل وتم قبركة الموضوع لاجل احتلال ودمار العراق
    صورة واضحة للجميع
    لكن من يعيها؟

    اختي العزيزة تسنيم
    ما اجمل طلتك البهية التي تطلين بها دوما على مدونتي
    سررت كثيرا لمرورك

  5. موضوع جميل و يستهل التقدير
    دام قلمك المتميز
    سررت بتصفح المدونة الجميلة
    دمت بخير
    كوثر طاهري

  6. استاذ اسامه
    كيف تنظر لخروج البشير من السودان؟؟
    هل هو شجاعة
    ام
    مجرد استعراض عضلات له ما له في المستقبل
    ودمت بخير

  7. الرائعة تسنيم، عذرا للتأخير
    وشكرا لمرورك الجميل
    من وجهة نظري الخاصة، أن خروجه مجرد “استعراض عضلات” أو من ضمن عنتريات العرب التي نعيها والتي ما قتلت ذبابة يوماً …
    سيجري على السودان من وجهة نظري ايضا، ما هو مخطط له وما هو مرسوم من قبل “الشرعية الدولية” أو من قبل صانعوا القرار هناك … هنالك خياران لا ثالث لهما .. إما!؟ أو؟
    وبكلتا الحالتين ان جاز التعبير سيخسر السودان كثيرا …

  8. للاسف فإن ما يسمى بالشرعية الدولية كانت و لا تزال تكيل بمكيالين ، و بشكل واضح و سافر و دون مراعاة لأي اعتبارات ،

    و الادهى أننا نحن العرب على رأس الدعاة لتطبيق هذه القرارات حتى لو كان فيها اجحاف و ظلم لنا ،

    و قضية السودان هي إحدى حلقات مسلسل ( مكسيكي ) نتابعه دون ان يكون لنا دور أو تأثير في مجريات الاحداث ،

    و هكذا يستمر العرض ،

    شكرا لك أخي اسامة على الموضوع

    مع التحية

  9. الأخ العزيز أحمد يوسف
    هذا هو حالنا وواقعنا، لكن لا يجب أن نقف عند هذه النقطة، بل يجب علينا أن نحاول ونعمل على تغيير ما نحن عليه اليوم
    سررت بمرورك
    دام حضورك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

مسارات؛ معاً نبني العالمَ الجديدْ